الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
266
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
أقول : ووجه إطلاق المعرفة عليه تعالى مع أنه تعالى بسيط محيط غير محاط دون العلم ، إن المعرفة هو الإدراك للشيء ، وإدراك الشيء عبارة عن تمييزه عما سواه بحيث لا يشترك معه غيره ، فلو أدركت الذات الربوبي بأوصافها دون ذاتها فقط بحيث يمتاز عن غيره فقد عرفته ، وإن لم تكن قد عرفته بالكنه ، فامتياز ذاته المقدسة عن غيرها صفة معرفة لها ، كما أشير إليها في قوله عليه السّلام : " وتوحيده تمييزه عن خلقه " ، وسيجئ ذكره ، فالمراد من الإدراك في تعريف المعرفة ثم إطلاقها عليه تعالى هو هذا المعنى أي الامتياز عن غيره . وأما وجه عدم إطلاق العلم عليه أن العلم يستلزم تصور المعلوم في ذهن العالم ، وهو تعالى غير متصور في الأذهان كما حقّق في محلَّه ، ولهذا لا يقال : علمت اللَّه ، ويقال : عرفته بالمعنى المذكور ، وقد تطلق المعرفة على الإدراك المسبوق بالعدم أو على الإدراك الأخير من الإدراكين إذا تخلل بينهما عدم ، كما لو عرفت الشيء ثم ذهلت عنه ، ثم أدركته ثانيا ، ثم إن المراد بمعرفة اللَّه تعالى على ما قيل : الاطلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجمالية بقدر الطاقة البشرية ، وأما الاطلاع على الذات المقدسة فمما لا مطمع فيه لأحد . وفي المجمع أيضا قال سلطان المحققين : إن مراتب المعرفة مثل مراتب النار مثلا ، وإن أدناها من سمع أن في الوجود شيئا يعدم كلّ شيء يلاقيه ، ويظهر أثره في كل شيء يحاذيه ، ويسمى ذلك الموجود نارا ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه تعالى معرفة المقلدين الذين صدّقوا بالدين من دون وقوف على الحجة ، وأعلى منها مرتبة من وصل إليه دخان النار وعلم أنه لا بد له من مؤثر ، فحكم بذات لها أثر هو الدخان ، ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه معرفة أهل النظر والاستدلال ، الذين حكموا بالبراهين القاطعة على وجود الصانع ، وأعلى منها مرتبة من أحسّ بحرارة النار بحسب مجاورتها وشاهد الموجودات بنورها وانتفع بذلك الأثر . ونظير هذه المرتبة في معرفة اللَّه معرفة المؤمنين المخلصين ، الذين اطمأنت قلوبهم باللَّه وتيقّنوا